معرفة الله عظمة الله ـ الدرس الثامن


معرفة الله عظمة الله ـ الدرس الثامن

سلسلة معرفة الله (8 - 15)
دروس من هدي القرآن الكريم

الدرس الثامن
ألقاها السيد/ حسين بدر الدين الحوثي
بتاريخ: 26/1/2002م
اليمن - صعدة

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} (الفاتحة1::7).
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد.
السلام عليكم أيها الإخوة ورحمة الله وبركاته.
قد تقدم في الدروس السابقة أيضاً الحديث حول نعم الله سبحانه وتعالى وإحسانه العظيم إلينا فهنا يقول الإمام علي (عليه السلام): ((وإن أحق من كان كذلك)) أي من يجب أن يجل أو يكبر الله, ويعظم الله في نفسه فيصغر عنده كل ما سواه هو من؟ ((من عظمت نعمة الله عليه ولطف إحسانه إليه)).
من الآيات القرآنية التي نفهم منها ما يتعلق بهذا الموضوع قول الله سبحانه وتعالى: {هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (غافر 065) وقلنا: كل من يسمع كلمة ( هو ) والتي هي ضمير يعود إلى الله سبحانه وتعالى ليثير في نفسك كل ما قد عرفته وسمعته داخل آيات الله في بقية سور القرآن الكريم من حديث حول عظمة الله سبحانه وتعالى.
ويجب أيضاً أن تتذكر ( هو ) في جميع مواقفك في هذه الدنيا، فمتى ما وقفت متردداً بين أن تقف بصدق مع الله سبحانه وتعالى أو أن تقعد, أو أن تميل مع أطراف أخرى بعيدة عن الله سبحانه وتعالى فتذكر أنك تقارن بين الله وبين غيره فارجع إلى ( هو ).
{هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (غافر:65) كل ما سوى الله سيفنى، وكل ما سوى الله ناقص وضعيف. إذاً فمن هو الذي يجب عليّ أن ألتجئ إليه, وأدعوه وأثني عليه وأثق به؟ الله أم شخص آخر؟ الله أم مطمع من مطامع الدنيا؟ الله أم هوى نفسي وشهواتها؟ أنا سأقول: ( هو )، سأرجع إلى الله؛ لأنه من؟ {هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} هو الحي الدائم البقاء الذي لا يفنى، وهو الإله الذي لا إله غيره، فهو من يجب أن أدعوه مخلصاً له في دعائي، من ألتجئ إليه مخلصاً له في التجائي إليه، من أتوكل عليه منقطعاً في توكلي عليه، من أثق به معرضاً عن كل من ليس في خطه وعلى صراطه.
وهو أيضاً من يجب أن أثني عليه؛ لكماله سبحانه وتعالى، ولعظيم إحسانه إليّ، ولسوابغ نعمه عليّ.. إنه إله رحيم، إله عظيم الإحسان، إله يسبغ نعمه على عباده، عباده الذين أنا واحد منهم، وأنا مَن أَعَلَمُ بأن نعمه عليّ لا أستطيع أنا ولا غيري أن يحصيها. وكما قلنا في سؤال سابق أثناء درس من الدروس: من الذي يستطيع أن يحصي نعم الله عليه؟.
هو المقدّس، هو المن‍زه، هو الذي من تسبح له السماوات والأرض ومن فيهن، وهو الذي له الحمد، والحمد معناه: الثناء على الله، هو وحده من يستحق الثناء, ومن له الثناء، وهو رب العالمين، إذاً فهو من يجب أن أخلص له.
الإنسان لا يرائي في أعماله إلا إذا لم يكن الله عظيماً في نفسه، الإنسان لا يرائي في أعماله إلا إذا كان ما يريده من الناس هو في نفسه أعظم مما يمكن أن يحصل عليه من قِبَل الله، وهذا من أعظم الجهل بالله سبحانه وتعالى، من أعظم الجهل بما يسبغه علينا من نعم، من أعظم الجهل بعظم ما عنده مما وعد به أولياءه المؤمنين.
في آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} (الأنعام 018) فمن الذي يستطيع أن يغالب الله؟ من الذي يستطيع أن يقهر أولياء الله المعتصمين به, والمتوكلين عليه والواثقين به؟. وهو الذي قال في كتابه الكريم: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (المجادلة:21) {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} (غافر:51) من الذي يستطيع أن يقف أمامه فيحول بينه وبين أن يفِيَ بوعده للمؤمنين الصادقين عنـدما يقول: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}(الحج: من الآية40) {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(محمد: من الآية7).
إنه القاهر فوق عباده.. من هو ذلك الذي يمكن أن نصفه بصفة كهذه من ملوك وزعماء الأرض؟ من هو ذلك الذي قد نقارن بينه وبين الله في جبروته وقهره؟ لا أحد في هذه الدنيا مهما ملك من قوة الله وحده هو القاهر فوق عباده كبيرهم وصغيرهم، ملكهم ومملوكهم، رئيسهم ومرؤوسهم.
وهو الحكيم في أفعاله، الحكيم في تدبيره، أعماله لا عشوائية فيها، ولا جهالة فيها، الخبير بشئون عباده، الخبير بأعمال عباده، الخبير كيف يقهر من تمرد عليه، الخبير كيف ينصر من نصره، الخبير في كيف يفي بوعده لمن وثق به وتوكل عليه.
{وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}(الأنعام: من الآية18) في هذه الدنيا نجد أمثلة كثيرة تبين أن كثيراً من أولئك الذين يعتمد عليهم الناس فمتى ما انطلقوا ليفوا بوعودهم لهم كم تحصل من أخطاء.. أمريكا عندما دخلت أفغانستان, ووقفت مع أحزاب التحالف الشمالي، التي كانت معارضة لحركة طالبان كم حصل من أخطاء من قِبَل الطائرات الأمريكية فضربت مدناً، وضربت مناطق هي تابعة لأحزاب المعارضة، فحصل قتلى كثير في مناطق هي تابعة لأحزاب المعارضة الذين هم تولوا أمريكا، وأمريكا وقفت معهم، لا أحد مهما كان ناصحاً معك إذا ما توليته وابتعدت عن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يكون خبيراً في كيف يقف معك.
بل نجد كيف أن أمريكا نفسها كم من الزعماء جنّدوا أنفسهم لخدمتها, وقضوا أعمارهم في العمالة لها، وفي تنفيذ مخططاتها، وفي الأخير في وقت الشدة، ووقت ثورة شعوبهم عليهم تتركهم وتتخلى عنهم، وأحياناً تتخلى عنهم قبل ذلك، كم من شخص جنّد نفسه ليكون جاسوساً للمخابرات الأمريكية أو غيرها، فيبدوا لهم في حين من الأحيان أن يقضوا عليه، أو يعملوا على أن تصيبه عاهة من الجنون أو نحوه تفقده شعوره.
هكذا يعملون بأوليائهم، أفعال ليست من الحكمة في شيء، أعمال هي فيما يتعلق بذلك الشخص الذي بذل جهده من أجلهم، وضحى بعمره من أجلهم تعتبر مكافئة سيئة على إحسانه إليهم، أما الله سبحانه وتعالى فهو من ينصر أولياءه, ومن يقف مع أوليائه، ومن لا يضيِّع جهود أوليائه، ومن يقرب أولياءه منه، ومن لا يفرط فيهم ولا يضيعهم؛ لأنه الحكيم الخبير.
ويقول سبحانه وتعالى: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ} (القصص70) هو من لـه الثناء، من لـه المجد في الدنيا في هذا العالم وفي الآخرة، هو المقدس، والمن‍زه عن كل نقص، وعن كل قبيح، وعن كل عيب في هذه الدنيا وفي الآخرة.
والدنيا والآخرة عالَمان الإنسان لا بد أن يمضي فيهما، نحن في هذه الدنيا في عالم الأولى، ولا بد أن نَفِدَ ونتحرك جميعاً إلى عالم الآخرة.. فمن هو هناك الملك في اليوم الآخر؟ أليس هو الله سبحانه وتعالى, فهو هناك من له الملك وحده، لا أحد يستطيع أن يتصرف في شئون عباده في اليوم الآخر.
وهو هو سبحانه وتعالى المستحق للحمد والثناء والمجد في الدنيا وفي الآخرة، وهو هو من لا يمكن أن يتنكر لك، فإذا ما وعدك هنا في الدنيا فقد يخلف في الآخرة. لا.. هو من ستكون رحمته بك في الآخرة أعظم وأعظم، وسيبدو لك إحسانه إليك في الآخرة أكبر وأكبر مما حصل في الدنيا.
وكونه مستحق للحمد هو لكماله, لقدسيته، فهو, هو الكامل في الدنيا وفي الآخرة، فلا يمكن أن تخشى أن يتغير لديه مزاج كما يحصل للناس في هذه الدنيا، قد تجد شخصاً وفياً معك, وصادقاً معك فترة، ثم تلمس فيه أنه بدأ يتغير مزاجه، وبدأ يقلب وجهه عنك، قد يصدق معك في موقف معين، ثم يأتي موقف آخر فتراه تغير وتبدل وقعد عنك .. ألست ترى بأن هذا الشخص قد اعتراه نقص, قد علاه نوع من النقص، وسوء الخلق؟ فأنت تنظر إليه أنه أصبح يستحق الذم؟ أليس كذلك؟ بل قد تنطلق أنت لتذمه بعبارات قاسية تطلقها من فمك، أما الله سبحانه وتعالى فهو مَن سيكون شعورك نحوه في الآخرة أعظم مما كنت عليه في الدنيا، تتجلى رحمته لك أعظم، وإحسانه إليك أكبر، وتأتيك البشارات الواحدة تلو الأخرى وأنت في موقف الحساب، فالناس تشخص أبصارهم من شـدة الهول، وأنت هناك مطمئن {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (يونس:62) {يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} (الزخرف:68)

يكون أولياؤه - والناس في شدة الحساب - مَن هم متكئون وجالسون على أرائك، والأرائك هي [الكنب] كما نقول في الدنيا، المقاعد الملبسة بالفراش، يقدم لهم الشراب, ويقدم لهم الطعام قبل أن يزفوا إلى الجنة، والناس هناك في هول شديد.
الله من لا يمكن أن تخشى منه أن يتغير أو يتبدل؛ لأن كماله هو كمال ذاتي, وكماله هو الكمال المطلق، إذاً فلماذا لا تثق به؟ لماذا لا تعظم ثقتك به؟ أنت قد تثق بشخص هنا في الدنيا حتى ولو كان رئيس دولة، وأنت تعلم بأنه من المحتمل أن يموت اليوم أو غداً، من المحتمل أن يحدث عليه انقلاب اليوم أو غداً، فيصبح مسكيناً لا يستطيع أن يعمل لنفسه شيئاً فضلاً عن أن يعمل لك شيئاً. أما الله فهو من لا يمكن أن يغيره نقص يعتريه، أو إله آخر يقهره, متى ما وثقت به هنا في الدنيا؛ لأنك تراه هو أهل المجد، وأهل الحمد, وأهل الثناء، كذلك ستجده في الآخرة هو أهل المجد, وأهل الحمد, وأهل الثناء لا يتخلف عنك، ولا يتغير أمامك, ولا يتبدل.
{وَلَهُ الْحُكْمُ}(القصص: من الآية70) هو من لـه الحكم هنا في الدنيا, وله الحكم في الآخرة أيضاً, له الحكم في الآخرة في يوم الفصل، لا أحد يستطيع أن يشفع لأحد إلا بإذنه، ولمن ارتضى من عباده، كل عباده يقفون صامتين بين يديه فلا تسمع إلا همساً {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً}(طـه: من الآية108) كل أولئك الذين كانوا يتجبرون في هذه الدنيا, ويطلقون العبارات القاسية ضد المستضعفين من عباد الله، هم مَن سيقفون أذلاء بين يدي مَن أنت تتولاه، هم من ستضحك منهم, وتسخر منهم في الآخرة كما سخروا منك في الدنيا, وكما كانوا يضحكون عليك في الدنيا {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}(المطففين35).
في يوم الحساب مرتاحين تقدم لهم [مَدَاكِي] يجلسون عليها، وشراب وأكل، وهم يضحكون من الآخرين، وهم من قد شخصت أبصارهم، هم من قد كادت أفئدتهم أن تخرج من صدورهم من شدة الخوف والهلع، فترى كم كان لتوليك لله سبحانه وتعالى من أثر عظيم.
في ذلك اليوم الشديد الأهوال ترى أن من توليته هو من رفعك في ذلك المقام العظيم، فأمَّنك في يوم الهول الشديد، فتصبح أنت مَن تضحك, ومن تسخر من أولئك الكبار، الذين كانوا في الدنيا يضحكون من أولياء الله، ويسخرون منهم، ويتهددونهم، ويستضعفونهم، ويتجبرون عليهم.
والفارق كبير جداً، في هذه الدنيا فترة قصيرة نعيش فيها جميعاً نحن والمستكبرون، نحن ومن يسخرون منا، نحن ومن يضحكون منا، لكن هناك في اليوم الآخِر هو عالَم الخلود الأبدي، سيكون مَن هو آمن آمن دائماً، من هو ذليل ذليل دائماً، من هو خائف، خائف دائماً في قعر جهنم. فالفارق كبير جداً؛ لأن من توليته هو من له الحكم في الآخرة، ومن إليه يُرجع الناس جميعاً، وأنت منهم سترجع إليه فترى الجزاء الحسن, وترى الثواب العظيم على توليك لـه، ورجوعك إليه في الدنيا، يوم كنت ترجع إليه في كل أحوالك, وتتجه إليه في كل أعمالك.
هو أيضاً كما قال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ} (الأنعام:73) قوله الحق الذي لا يتخلف، قوله الحق الذي لا يمكن لأحد أن يفرض عليه أن يتخلف عن قوله، أو يحول بينه وبين تنفيذ قوله، ومعنى أن قوله الحق: هو الواقع الثابت الذي لا يتخلف، وهو الحق الذي لا باطل فيه، ولا ضلال فيه. {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} الأنعام:73 له الملك في الدنيا, وله الملك في يوم ينفخ في الصور, في يوم القيامة، هو عالم الغيب والشهادة، وهو الحكيم الخبير.
عندما نقرأ مثل هذه الآيات العظيمة، ليس المقصود فقط هو: أن تعرف أن الله هكذا, هو هكذا سبحانه وتعالى، لكن المطلوب ماذا ستترك هذه الآيات في نفسك من أثر، الله سبحانه وتعالى نزل كتابه الكريم، وكتابه كتاب هداية، كتاب يعمل على أن يهديك بأي وسيلة, فهو هنا لا يتحدث لمجرد الحديث عن عظمة الله سبحانه وتعالى فقط، بل ليقول لك: أنا هكذا.. فبي فثق، وعليّ فتوكل، وإياي فارجوا وهكذا.
عندما يقول عن نفسه سبحانه وتعالى: {قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}.. فهل نجيب عليها بأن نقول: صح, نعم!. نعم هي حق، لكن لنرجع إلى أنفسنا, نبحث عن كيف نجعل لهذه الآيات العظيمة - التي تتحدث عن عظمة الله سبحانه وتعالى - أثراً عظيماً في نفوسنا، كيف نجعل نفوسنا تشعر بعظمة الله، فيعظم الله فيها، فيصغر ما دونه أمامها.
{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (البقرة:117) مبتدعهما، أي هو لم يخلقهما على مخطط قدم له من جهة أخرى، أو عملهما على مثال عملته جهة أخرى، هو من ابتدعهما، هو من أوجدهما من حالة العدم على غير مثال احتذاه.
{أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الأنعام:101) فأولئك الذين أدعو له ولداً, أو جعلوا أنفسهم أبناء له, اليهود والنصارى، اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، الله كفّرهم بأقوالهم هذه, وسخر منهم: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} كيف يمكن أن يكون له ولد {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} ليس له زوجة، هو ليس بحاجة إلى ولد، هو بديع السموات والأرض، هو من لا يمكن أن يلد أو أن يكون مولوداً, لا يمكن إطلاقاً، لا يمكن أبداً أن يكون مولوداً، ولا يمكن أبداً أن يلد, أن ينجب؛ لأن هذا هو شأن المخلوقات، شأن المحدثات، تعالى الله سبحانه وتعالى عن ذلك.
فكان من يقولون بأن لله ولداً كاليهود والنصارى الله كَفّرهم, ولعنهم بقولهم بأن لـه ولداً. وما نزال نسمع من إذاعات المبشرين, التبشير بالنصرانية يتحدثون عن المسيح أنه ابن الله، يتحدثون عنه بأنه ابن الله ويقولون: أنه مع أمه ومع الله إله واحد، واحد في ثلاثة! هذا كفر وجهل بالله سبحانه وتعالى.
كثير من الناس حول هذه المسألة لا يتعقل ما فيها من سوء حتى يرى بأن عليه أن ينزه الله منها، فنحن متى ما نزهنا الله ينزهه الكثير من منطلق إيماني: بأنه هكذا نزه نفسه، فنحن ننزه نفسه. لهذا متى ما سمع كثير من العوام إذا ما قلت لهم: فلان يقول: أن الله يُرَى! بعضهم لا يستنكر، لا تثيره هذه القضية، إلا إذا كان قد تعلم وعرف معرفة لا بأس.
الله سبحانه وتعالى عندما ينزه نفسه عن مشابهة خلقه، عندما ينزه نفسه عن أن يكون لـه ولد، أو يكون مولوداً، أو يكون لـه صاحبة، ينزه نفسه؛ لأنه لو كان على هذا النحو لكانت فيه دلائل الحدوث، ولو كانت فيه دلائل الحدوث لكان ذلك يعني: أن هناك طرفاً ثانياً أحدثه على هذه الكيفية التي هو عليها، فيكون ناقصاً محتاجاً، ويكون غيره أكمل منه.
كما هو الحال بالنسبة لنا، أليست فينا دلائل الحدوث؟ مِن تركيبنا على كيفية معينة، ووجودنا بعد حالة عدم، وكوننا مولودين من بطون أمهاتنا. أليس ذلك يدل على أننا محتاجون، أن هناك طرفاً ثانياً عمل هذا بنا؟ فنحن ناقصون بالنسبة له، نحن محتاجون إليه.. إذاً هو أكمل منا.. أليس كذلك؟.
فإذا كان يلزم من هذا من أن يكون له ولد، أو يكون مولوداً، أو تكون له صاحبة أن يكون مُحْدَثاً، وأن يكون محتاجاً، ويكون ناقصاً، فهذا يعني: أن هناك غيره من هو أكمل منه هو من أولده من آخر، أو مَن جعله على كيفية معينة قابلة لأن يلد فينجب فيكون ناقصاً.
ونحن نقول - كما تكرر في القرآن الكريم في آيات كثيرة - : إن من أعظم ما يؤكد عليه القرآن الكريم ويعمل على ترسيخه في النفوس هو: الشعور بكمال الله المطلق, أي هو من لا يحتاج أبداً إلى غيره، هو الكامل، فعندما نصفه ونسميه كما سمى نفسه ((عليم)) فهو العليم الذي لا يجهل شيئاً, هو الذي أحاط علمه بكل شيء, هو عالم الغيب والشهادة.
ومتى ما سمعناه يسمي نفسه بأنه قدير فإنه يقول: {إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(فصلت: من الآية39) لا يعجزه شيء، والقرآن الكريم عمل على ترسيخ مبدأ الكمال، كمال الله سبحانه وتعالى, وهو المبدأ الذي استطاع أن ينسف الشرك من نفوس العرب, عندما جاء ليقول لهم: إن الإله يجب أن يكون كاملاً، الإله الذي يستحق العبادة يجب أن يكون كاملاً كمالاً مطلقاً، أما إذا كان ناقصاً محتاجاً فغيره أكمل منه، إذاً فغيره أولى بالعبادة له منه، فتحدث عن أصنامهم بأنها لا تنفع ولا تضر، لا تسمع, لا تبصر.. ألم يتحدث في القرآن الكريم عن هذا كثيراً؟.
نبي الله إبراهيم عندما حطم تلك الأصنام؛ ليثير في نفوس قومه أن هذه الأصنام التي تعبدونها ناقصة قاصرة، لا تستطيع أن تنفع ولا تضر، لا تستطيع أن تدفع عن نفسها فكيف يمكن أن تدفع عنكم, فلماذا تعبدونها؟! إن من يجب أن تعبدوه هو الله سبحانه وتعالى الكامل, ذي الكمال المطلق، الذي لا أحد يستطيع أن يقهره، الذي إذا التجأت إليه نفعك، إذا خرجت عن نهجه وتجبرت عليه ضربك، ويستطيع أن يضربك، ويقول لك: بأن كل من في السموات والأرض جنود لـه: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}(الفتح: من الآية4) {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} (الأنبياء:64) عرفوا أنه فعلاً أصنام تتحطم هي ناقصة، فكيف نعبدها، ماذا يمكن أن تعمل هذه الأصنام؟ من أي وجه تستحق العبادة؟ أيّ كمال لها تستحق به أن نعبدها، ونُخْضِع أنفسنا لها، ونثنيَ عليها.
وهكذا استطاع القرآن الكريم أن ينسف الشرك من نفوس العرب إلى الآن. هل هناك صنم في البلاد العربية ركزوه من جديد ليعبدوه؟ انتهى الموضوع؛ لأن كل واحد يتساءل لماذا أنصب صخرة, أو خشبة, أو تمثالاً فأعبده وأؤلهه, ماذا يمكن أن يعمل؟ لماذا أعبده؟ بأي وجه يستحق العبادة؟ أي كمال فيه يستحق أن أعبده، واثني عليه، وأمجده، وأعظمه وأقدسه؟ إنتهت.
فعندما نسمع أن من عقائدنا: أن الله سبحانه وتعالى لا يشبه شيئاً, ولا يجوز أن يشبه شيئاً؛ لأن كل الأشياء غيره سبحانه وتعالى فيها دلائل الحدوث، فلو كان مشبهاً لأي شيء من مخلوقاته لكان قد أصبح ناقصاً محتاجاً كمثلها، ولكان هو في نفسه دليلاً على أن هناك طرفاً آخر هو أكمل منه، وهذا نسف للألوهية من أساسها، نسف لاستحقاقه الألوهية والربوبية من أساسها؛ لأننا سنقول فيما بعد: إذاً ذلك الذي منحك هذا الذي أنت عليه هو أجدر بالعبادة, هو أكمل منك. وتلاحظون أن مبدأ الكمال - أيضاً - هو مما رسخه الله سبحانه وتعالى في نفوسنا، فطرة فطر الناس عليها.
أنت في كل أعمالك تبحث عن الأكمل. أليس كذلك؟ أنت تريد أن تبني فيقال لك: فلان وفلان، وفلان, وفلان, فلان هو تعلم عند فلان. ستقول والله سأشوف فلان الذي علمه هو أبصر منه.. أليس كذلك. حتى وأنت تبحث عن زوجة تريد أن تبحث عن الزوجة الأكمل، عندما نقول نحن: أريد أن تكون طبيعتها جيدة, شكلها مقبول, ومن أسرة جيِّدة.. ألست هنا تبحث عن كمال؟. هكذا وأنت تريد أن تغرس شجرة قات ألست ستبحث عن الشجرة الجيدة؟ تقول ما نشتي نغرس حمار أو سواد نشتي نغرس قات زراق هو أحسن, وبيتحمل قطف, هو كذا, وكذا.. وأنت تريد أن تشتري ثور, أنت تبحث في السوق تبحث عن الثور الذي تجد فيه مميزات كمال بالنسبة له، وأنت تريد أن تبحث عن خياط كذلك تريد تبحث عن خياط يجيد الخياطة أي فيه صفات كمال أكمل من الآخر... دكاكين الخياطة واحد اثنين ثلاثة أربعة أنت تبحث عن من؟ عن خياط جيّد وهكذا. مبدأ الكمال, والبحث عن الأكمل هو من الفطر التي فطر الله الناس عليها، وهو ُسلَّم ينتهي بالله سبحانه وتعالى الكامل الكمال المطلق.
حتى عندما نصف شخصاً نقول: عالم كريم فاضل.. ما أنت تصفه بنوع من هذه الصفات التي تسمع الله سبحانه وتعالى يصف نفسه بها؟ لكن وفوق كل ذي علم عليم, إلى أن تنتهي إلى عند العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، عند من قال عن نفسه بأنه لا تسقط ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا يعلمه، وهو في كتاب مبين، في علمه الذي لا يعزب عنه شيء.
والكمال المطلق لا يمكن أن يكون إلا لواحد، لا يمكن أن تفترض أن هناك اثنين كاملين, كل واحد منهما سيظهر ناقصاً بالنسبة للآخر، الكمال المطلق لا يمكن أن يكون إلا لواحد، وهو الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا كل ما يستلزم منه أن يكون الله مشابهاً لخلقه بما يعني هذا: أنه أصبح فيه دلائل أنه محدث ومحتاج إلى طرف آخر فهو من أكبر الكبائر عندما تعتقده بالنسبة لله سبحانه وتعالى؛ لأنه ماذا يعني؟ بأنك حكمت بنسف استحقاقه للألوهية من أساسها؛ ولهذا نحن نقول في عقائدنا: لا يجوز أن نقول: أن لله وجهاً, كما يقول الآخرون، وليس له يد, ليس له أعين كما يقول الآخرون، هذه آليات عملها لنا نحن الناقصين، نحن القاصرين، نحن المحتاجين.
لو قلنا بأن له وجهاً, وله يداً, وله رِجلاً حتى ولو قلنا كما يقولون: يليق به, وجه يليق به، يد تليق به، رِجْل تليق به.. هكذا يقولون. إسألهم: هل وجهه غير يده، ويده غير رجله؟ أم أن وجهه يده، ويده رجله, ورجله وجهه؟. سيقول لك: لا, هي بالطبع وجهه غير يده، ويده غير رجله؟ إذاً مَن الذي منحه وجهاً هو مغاير ليده، ويداً مغايرة لرجله، إذاً أثبتم له أعضاء, وإن كنتم تقولون بأننا لا نعرف كيفيتها، فالتن‍زيه لا يعني فقط بأنك تقول بأنك لا تعرف الكيفية التي عليها هذا الوجه الذي أثبتّه لله، أن تنفي عنه من الأساس أن يكون له عضو، أو يكون مركباً من أجزاء، أن يكون مؤلفاً، لا يصح؛ لماذا؟. لأن التركيب علامة من علامات الحدوث.
ماذا يعني الحدوث؟. أي أن هناك مَن منحه وجهه كما منحك وجهك، ومن منحه يده وجعلها في موضع في غير موضع وجهه, ولها أعمال غير أعمال وجهه، وله رِجْل لها أعمال غير أعمال يده، وموضعها غير موضع يده، كما هو الحال بالنسبة لنا أليس كذلك.
إذاً فهذه علامات الحدوث, إذاً هناك من منحه هذه الأشياء, إذاً فهو ناقص, ومن منحه هذه الأشياء هو أكمل منه، إذاً فليس رباً ولا إلهاً، أليست المسألة تنتهي إلى هذه؟ المسألة تنتهي في الأخير إلى كفر بالله؛ ولهذا أذكر أن أحد أعمامي (رحمة الله عليه) وهو السيد العلامة [حسين بن حسن الحوثي] وزع قبل سنوات فتوى يحكم فيها بكفر من يعتقد: أن الله يُرى, ويقول: أن الله يرى؛ لأنه هكذا تنتهي المسألة إلى هذا الحد؛ ولهذا نزه الله سبحانه وتعالى نفسه عن أن يكون له مشابه، وهنا نزه نفسه عن أن يكون له ولد, ألم ينزه نفسه هنا؟.
تأتي هذه الآيات تتحدث عن تنزيه لذاته سبحانه وتعالى لأنه هو {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}(الأنعام: من الآية101) هو من لا يحتاج - وهو يخلق ما يخلق ويفطر ما يفطر - إلى أن يعتمد على طرف آخر يسلمه مخططاً ليرسم عليه، أو يسْتَقْدِمَ نموذجاً فيصنِّع كمثله، هو مَن لا يحتاج إلى هذا، هو من ليس هناك غيره يمكن أن يعمل هذا؛ لأن كل ما سواه مخلوق، كل ما سواه محدث، هو الذي خلقه, هو الذي أحدثه, فهو مَن ابتدع السماوات والأرض، هو من لا يمكن أن يكون له ولد.
هل فهمنا الآن بأنها صفة نقص لو حكمنا بأن له ولداً؟ صفة نقص فيه نثبتها.. ما هي صفة النقص هذه؟ أي سنثبت بأنه ناقص. ما هو النقص؟ أننا أثبتنا أنه محتاج لطرف آخر، وأن الطرف الآخر هو أكمل منه، إذاً ونحن مفطورون على إعطاء الحق للأولي أليس كذلك؟ والتسليم للأكمل، سنقول: إن ذلك الذي هو من صنع الله على هذا النحو، أو منحه هذا الشيء هو الأكمل، إذاً فهو الأولى. فهذه تنسف التوحيد من أساسه، كفر, كفر شديد.
{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}(الأنعام: من الآية101) هو من خلق كل شيء, كل شيء من هذه الأشياء التي نراها أمامنا, خلقنا نحن, وخلق كل هذه الموجودات التي أمامنا. كلمة: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} أتت في سياق الثناء على الله, والتمجيد لله, والتقديس لله, والحديث عن كماله سبحانه وتعالى، كماله الذي يستحق الثناء من عباده، بل هو من أثنى على نفسه قبل أن يثني عليه عباده.
فعندما يأتي الآخرون فيقولون: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} يعني: هو أيضاً أفعالنا هذه, المعاصي هو الذي خلقها؛ لأنها أشياء فهو إذاً الذي خلقها. لا يفهمون الحديث هو عن ماذا هنا، أنه يتحدث عن كماله، عن تن‍زيهه، عن تن‍زيه ذاته، عن تمجيده، عن تقديسه، عن الثناء عليه، عن كماله سبحانه وتعالى.. فهل هو من يتمدح يَتَمَدّح بأنه الذي خلق المعاصي وخلق الظلم وخلق الفساد وخلق الكفر وخلق النفاق؟! هل هذا تمدُّح؟!. لو كان هو من خلق الضلال والكفر والفساد والنفاق والمعاصي والباطل لما استحق أن نثني عليه. نثني عليه مقابل ماذا؟ إذا كنا نقول: بأنه مصدر كل قبيح ومصدر الفواحش، ومصدر الشرور, فلماذا نثني عليه؟. هل يستحق الثناء عليه فيما إذا وصفناه بأنه مصدر القبائح والفواحش؟ هل من هو مصدر القبائح والفواحش يستحق أن يُثْنَى عليه؟ هل الله سبحانه وتعالى ممكن أن يثني على نفسه, ويتحدث في مقام الثناء على ذاته بأنه من خلق الظلم والفواحش والفساد؟! هذا ليس مما يمكن أن يقوله من في قلبه مثقال ذرة من معرفة بالله صادقة, وشعور بعظمة الله سبحانه وتعالى.
هو من نزه نفسه في آيات أخرى عن الفساد والظلم، أنه لا يريد أن يظلم العباد: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}(فصلت: من الآية46) وهو من قال: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ}(آل عمران: من الآية108) , وكلمة ظلم تشمل - تقريباً - كل أنواع الفساد {إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}(لأعراف: من الآية28) {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} (النحل:90).

هو الذي ينهى عنها فكيف يتمدح بأنه هو من يخلقها، وكيف يمكن أن يكون هو من خلقها فيك, إذا كان هو من خلقها فيك فمعنى ذلك بأنك انطلقت فيها بغير اختيار منك؛ لأن كل ما خلقه الله فيك هو بغير اختيار منك، بل وبغير اختيار من أبيك, وبغير اختيار من أمك, لونك, شكلك, طولك, قصرك, شكل أعضائك, هل هو باختيار منك؟ هل أنت قدمت لله مخططاً فقلت أريد أن تجعل أذني كذا وأنفي كذا وعيوني كذا وأن يكون طول وعرض وجهي على هذا النحو مثلما تعمل مخططاً لواحد صاحب ورشة؟. لا.
إذاً فلو كان الله هو من خلق فينا المعاصي, ومن ساقنا إليها - على اختلاف أقوالهم حول هذه - هم يلتقون حول هذه أنه خلقها فكيف يمكن أن ينطلق هو ليلعن الشيطان ويأمرنا أن نعادي الشيطان وأن نلعنه والشيطان إنما يوسوس ليحملنا على الفحشاء فكيف يعمل هذا مع الشيطان وهو هو من خلق الفحشاء؟! من الأسوأ حينئذٍ من يخلق الفحشاء أو من يوسوس لها فقط؟.
حينئذٍ جعلوا الله - سبحانه وتعالى ننزهه ونقدسه - جعلوه أسوأ من الشيطان! عقائد سيئة.. خلق الفواحش وهو من تنزل أول آية من كتاب الله الكريم بعد بسم الله الرحمن الرحيم هي [سورة الفاتحة] وأولها الثناء على الله {الْحَمْدُ لِلَّهِ}(الفاتحة: من الآية2) {الْحَمْدُ}بهذه العبارة التي تعني: كل الحمد، كل الثناء كل المجد {لِلَّهِ} سبحانه وتعالى {رَبِّ الْعَالَمِينَ}(الفاتحة: من الآية2) فكيف يستحق الثناء من هو الذي يخلق الفواحش، من يملأ القلوب كفراً ويملؤها نفاقاً رغماً عن أصحابها، ثم هو في الأخير من يلعنهم، وفي الأخير من يقودهم إلى قعر جهنم؟! ماذا عملوا؟ ماذا عملت أنت؟ رغماً عنك يملأ قلبك كفراً ونفاقاً، ويملأ قلبك فساداً ثم يعذبك؟!.. يتنافى هذا مع عدله، يتنافى مع حكمته، يتنافى مع رحمته، يتنافى مع كماله، يتنافى مع جلاله وعظمته وقدسيته.
وهكذا, يقولون: هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، هذه عقيدتنا, وهذا دليلها من القرآن {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}(الأنعام: من الآية101)، والمعاصي هي أشياء إذاً هو الذي خلقها!!.
القرآن الكريم هو كتاب عربي, بلسان العرب, بأساليب العرب، ونحن نستخدم هذه العبارة, والقرائن المحيطة بها، والجو الذي تقدم فيه، الطرف الآخر الذي تتحدث معه هو من يعرف ماذا تعني, عندما تقول:[نحن تغدينا عند فلان وقدم لنا من كل شيء] ألسنا نقول هكذا؟ هل سيفهم ذلك أنه قدم لكم من كل شيء في الدنيا في السماوات والأرض؟ لا. من الأشياء المعلومة المعروفة.
فنقول: هذه الأشياء التي تشاهدونها, هذه الأشجار هذه الجبال والأحجار، هذه الدواب، هذه الكواكب، هذه السحب الله هو الذي خلقها {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} من هذه الأشياء، لأن الناس بفطرتهم لا أحد يتبادر إلى ذهنه أن يقول: إذاً هو خلق أفعالي؛ لأن كل إنسان بفطرته, بل الدواب بفطرتها تعرف أن أفعالها منها, أنها هي التي انطلقت فيها؛ ولهذا ترى القط, ترى الكلب عندما يعمل عملاً هو يعرف بأنه عمل غير مسموح به, يدخل من باب البيت فمتى ما سمعك أنك قريب من البيت يهرب بسرعة؛ لأنه يعرف أنه هو قد ارتكب خطأً, دخل البيت وليس من حقه أن يدخل البيت. القطُّ قبل أن يتناول [اللحمة] أليس هو ينظر هنا وهنا قبل أن يتناولها هل أحد يراه ثم يقفز وينطلق بسرعة؟ وإذا لم يكن أحد عنده أكلها مكانها, فعندما يسمع أحداً قادماً إليه يأخذها ويهرب بسرعة.. هكذا حتى الحيوانات تعرف أن أفعالها منها.
من منا ممكن أن يتبادر إلى ذهنه أنه عندما يشرب, عندما يأكل أن الله هو الذي خلق هذا الفعل وأنا آكل, يمكن تقول هو الذي خزن هو الذي دخن! خلق التدخين خلق التخزين؟! هذه أفعالنا نحن، والحيوانات لها أفعال تختص بها. لا يتبادر إلى الذهن، لكن الطواغيت, وعلماء السوء هم من أجل خدمة السياسة الفاسدة, خدمة الطواغيت يحمِّلون الله كل سوء, وينسبون إلى الله كل قبيح فيشبهون على العوام من الناس، فمتى ما رأينا معاوية بطغيانه وقبحه نقول: الله هو الذي ولاه، والأعمال التي تصدر من معاوية الله هو الذي خلقها! فأصبح معاوية مقبولاً بكل ما هو عليه؛ لأنه كله من الله, هو الذي ولاه, وهو الذي خلق أفعاله!! فمن الذي سيستثار ضد معاوية إذا أو أشباه معاوية وهو يعتقد هذه العقيدة؟!.. أليسوا هم من دَجَّنُوا أنفسهم ودجّنوا الأمة للظالمين بعقائد مثل هذه؟ هم من أساءوا إلى الله إساءة بالغة.
فسبحانه وتعالى ما أعظم حلمه عنهم، وهم من ينطلقون في عباداتهم، وأنت عندما ترى ما في كتبهم من عقائد باطلة, وتراهم يتعبدون ستحكم بأنهم يتعبدون لغير الله، وأنهم يتعبدون لمن؟ أنت كيف تقول: (( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر )) فتثني على من تعتقد أنه وراء كل فاحشة وقبيح؟! هذا تناقض.
ثم أنت تجعل العقيدة الباطلة في قلبك, والمنطق الصحيح على لسانك فقط, والله يتعامل مع من؟ مع القلب أو مع اللسان؟ مع القلب. بل لو انطلقت من لسانك كلمة كفر تكره عليها وقلبك مطمئن بالإيمان لا يضر، لكن أن يكون قلبك مطمئناً بالكفر وتنطلق من لسانك كلمة إيمان لا تنفع ولا قيمة لها. يقرؤون القرآن أحياناً ويبكون, وفي الصلاة يسبحون: سبحان ربي العظيم وبحمده. اسأله عن ربه بعد سيقول لك: هو الذي يقدر كل شيء إذاً فلماذا تسبحه؛ لأن التسبيح لله يعني: تن‍زيه له عما لا يليق بكماله، وأنت الآن نسبت إليه بأن تلك الفاحشة التي اقترفها فلان, تلك الجريمة التي ارتكبها فلان الله هو الذي قدرها, هو الذي خلق الفعل الذي انطلق من هذا الشخص وهو ينفذ الجريمة! فكيف تسبحه! وكيف تلعن الشيطان وهو لم يعمل إلا أقل مما عمله ربك الذي قلت بأنه خلق الفاحشة, وقدرها وساق ذلك الشخص إليها رغماً عنه!. إنهم متناقضون .. عقائد خبيثة, عقائد تتنافى مع القرآن الكريم بشكل مفضوح.
ثم لا ينفع أن يقولوا: ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) أو يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}(الفاتحة: من الآية3) ألم ينطق بكلمة: {الْحَمْدُ} لكن كما قلت سابقاً؛ لأن بعض الناس يقول: كيف هم هؤلاء يقولون مثلنا يسبحون الله ويحمدون الله ويمجدون الله!. نقول: لكن فيما إذا كان الواقع على هذا النحو: أن قلوبهم تعتقد عقائد باطلة وفقط ألسنتهم تقول بهذا فما يصدر من ألسنتهم إنما هو شهادة على قبح اعتقادهم، وهو نفس المنطق الذي استخدمه القرآن مع الكافرين الذين كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} (الزخرف:9) ويردد في آيات أخرى, {ولئن سألتهم..} ثم بعدها يقول: {قل أَفَلا تَعْقِلُونَ . أَفَلا تَتَّقُونَ . أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ}
إذاً أنتم تقولون: بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض, إذاً فلماذا تجعلون معه آلهة؟ أنت من تقول: الحمد لله، وتقول: سبحان الله, إذاً فلماذا تعتقد بأنه مصدر القبائح؟ نفس المنطق, ونفس الأسلوب. فأولئك عندما كانوا يقولون: {خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} الله هو الذي خلقنا، ألم يجعل هذه حجة عليهم وشهادة انطلقت من ألسنتهم على بطلان ما يعتقدون من أن هناك آلهة مع الله؟. نفس الشيء أنت عندما تقول: سبحان الله والحمد لله وأنت تعتقد أن الله هو مصدر القبائح والفواحش, هو الذي خلقها وقدرها، فأنت تشهد على نفسك، وقولك حجة عليك يشهد ببطلان ما تعتقد، إذاً فلماذا لا تتحول عن هذا الاعتقاد الباطل.
أما أن آتي أنا وأقول: هذا الاعتقاد لا يضر؛ لأني سمعتك تقول: سبحان الله والحمد لله، إذاً سأقول لذلك النبي عندما يقولون: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}(الزخرف: من الآية87) سأقول له إذا خلاص هم يقولون الله، إذاً فالمسألة انتهت إلى مجرد حجر يطوفون عليها فلا تضر هذه المسألة، أو أنهم جعلوا هذا إله، هم ما نسبوا إليه أنه خلق, ولا نسبوا إليه أنه رزق, ولا نسبوا إليه أنه من يدبر الأمر، ولا نسبوا إليه أنه من خلقهم، ولا شيء, إذاً لم يعد إلا مجرد خرافة لا تضر ولا شيء فلماذا نتقاتل نحن وإياهم عليها؟.. هل هذا منطق؟ على هذا الأساس ممكن أن يكون منطق، لكن القرآن رفض هذا الأسلوب. إذا كنت من أتأول لك وأنت صاحب هذه العقيدة الباطلة؛ لأنه انطلقت من لسانك كلمات: {الْحَمْدُ لِلّهِ} وكلمات: {سُبْحَانَ اللهِ} فأقول: خلاص.. إذاً سأقول: خلاص لذلك المشرك بعد أن قال: الله هو الذي يدبر الأمر، الله هو الذي خلق السماوات والأرض, الله هو الذي يرزق، الله هو الذي ين‍زل من السماء ماء.. هكذا ورد اعترافهم بهذا نقول: خلاص يا محمد, خلاص يا نوح، خلاص يا فلان, خلاص.. انتهى الموضوع.. ماذا تريدون منهم.. نقوم نتقاتل إحنا وإياهم وهم ذولا معترفين أن الله هو الذي عمل كل شيء، فقط تعتبر مجرد خرافة أنهم نصبوا حجر يقولون: أنها إله وهم ذولا يقولون أنها ما سوت شيء.. لاحظ هل هذا منطق قبله القرآن؟ لا. بل اعتبر اعترافهم شهادة على بطلان اعتقادهم بجعل هذا إله حتى وإن كانوا لا ينسبون إليه شيئاً مما هو يختص بالله سبحانه وتعالى.
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا} قالوا {إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ}(المائدة: من الآية73) وهل الله في واقعه ثالث ثلاثة؟ لا. هل يمكن أن أقول لكن الله ليس ثالث ثلاثة وهذه مجرد كلمة شلتها الرياح، كفروا وإن لم يكن إلا مجرد قول. وفعلاً الشرك لا حقيقة له.. هل للشرك حقيقة؟. هل لله شركاء حقيقيون؟. لو كان لله شركاء حقيقيون لكان الشرك حق، فالشرك باطل أي لا أصل له, ولا حقيقة له. طيب.. كونه لا حقيقة له ولا أصل له.. وهو مجرد خرافة، إذاً خلاص لا يضر. لا, يقتل صاحبه وإن كان هذا لا أساس له. ماذا يعني لا أساس له؟ أي ليس واقعاً, وليس هناك شريك لله حقيقة, وفي واقع الأمر.
كذلك عندما قالوا: {اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} هل الله ثالث ثلاثة؟ لا. الله إله واحد {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ}(النساء: من الآية171)، لكن هم كافرون, وسيدخلون جهنم, وسيخلدون في جهنم, ويجب قتالهم. أن آتي وأقول: يا أخي هذه كلمة تشلها الرياح وكلنا عارفين أن الله سبحانه وتعالى إنما هو إله واحد فإذا قالوا أن الله ثالث ثلاثة قد مريم والمسيح قد هم آلهة سيصبحون آلهة حقيقيين لمجرد هذا القول؟ لا. إذاً ما تضر المسألة!.. هل هذا المنطق قبله الله؟. لا. هم كافرون, هم كافرون.
إذاً فجاءت كلمة: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} في مقام الثناء على الله سبحانه وتعالى, وهو يعلم أننا نفهم, وأننا بفطرنا لا يمكن أن يتبادر إلى أذهاننا أن هناك ما نعمله من معاصي هو أيضاً داخل تحت كلمة: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}، الناس عرب والناس يفهمون في تخاطبهم ماذا تعني العبارات المطلقة أنها مقيدة بالقرائن الحالية, بالقرائن المقالية, بما يحيط بالكلام من ملابسات, وقرائن، بل لا يتبادر إلى الذهن شيء من هذا.
{وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أليس هذا أيضاً من عبارات الثناء على الله سبحانه وتعالى, والحديث عن كماله؟. فهي كلها من {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وتن‍زيهه عن أن يكون له ولد, أو أن يكون له صاحبة، وإثبات أنه خلق كل شيء، وأنه بكل شيء عليم .. أليست هذه كلها حديث عن كمال الله سبحانه وتعالى؟ تن‍زيه لذاته, وثناء على ذاته؟.
{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}(الأنعام: من الآية102) ذلكم, بديع السماوات والأرض, المن‍زه عن أن يكون له ولد, أو يكون له صاحبة، من هو خالق كل شيء، من هو بكل شيء عليم, هو ربكم لا إله إلا هو {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الأنعام:103) أيضاً جاءت آية تن‍زيهه عن الرؤية عن أن تدركه الأبصار جاءت أيضاً في مقام تن‍زيه ذاته سبحانه وتعالى عن ما لا يليق بأن ينسب إليه، تن‍زيه لذاته، لا يمكن أن تدركه الأبصار، كيفما كانت هذه الأبصار، سواء قالوا حاسة سادسة أو سابعة أو ثامنة أو حاسة تاسعة أو كيفما قالوا فهي لا تخرج عن كونها أبْصَار، وعملية الرؤية لا تخرج عن كونها إبْصَار، فهو نزه نفسه سبحانه وتعالى, نزه ذاته عن أن تدركه الأبصار.
قالوا: يعني هذا في الدنيا أما في الآخرة فسنراه، ويدعون الله أيضاً بأن يريهم وجهه الكريم، وفي أدعيتهم: اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، اللهم أرنا وجهك، وهكذا.. الباطل, النقص الذي نزه الله ذاته عنه يصبح عند بعض المسلمين عبادة يتعبدون الله بنسبتها إليه، ويطلبون من الله أن يمكنهم من الحصول عليها.
{لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} وتأتي العبارة مطلقة، وكلما هو تن‍زيه لذاته فهو تن‍زيه لذاته في الدنيا والآخرة؛ لأنه كما قال سابقاً: {وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ}(القصص: من الآية70) فكلما هو تن‍زيه لذاته هو تن‍زيه مطلق لذاته سواء في الدنيا وفي الآخرة، والدنيا والآخرة بالنسبة لله سبحانه وتعالى ليستا عالمين متغيرين، لا يحدث هذا التغير في الكون أي تغير بالنسبة لله سبحانه وتعالى، عالم واحد وضعية واحدة الله لا يتغير بتغيرها، ولا يطرأ عليه شيء من خلال تغيرها, فهو من لا يمكن أن تدركه الأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ولماذا ننزه ذاته عن أن تدركه الأبصار كما نزه هو ذاته عن أن تدركه الأبصار؟ نفس الكلام الذي قلناه في قولـه تعالى عندما نزه نفسه عن أن يكون له ولد أو أن تكون له صاحبة: أن هذا يعني: إثبات نقص في الله سبحانه وتعالى؛ لأنه متى ما قلنا بأنه يمكن أن يُرى فالرؤية لا تتحقق إلا من خلال: أن يكون بينك وبين الطرف المرئي مسافة معقولة تمكنك من رؤيته، ويكون هو على كيفية محدودة تتمكن من رؤيته، وتسقط عليه الأشعة لتنقل صوراً من الكيفية التي هو عليها إلى [شَبَكِيَّة] إبصارك, أو بأي وسيلة كانت، ولا بد أن يكون على كيفية محددة، والتحديد والتكييف هو من خواص المحدثات, وهو من دلائل الحدوث، إذاً فيلزم أن يكون محدثاً, فيلزم أن يكون مخلوقاً، إذاً فيلزم أن يكون هناك من خلقه, ومن أحدثه.
وإذا لزم أن يكون هناك من خلقه أو أحدثه، فلزم أن يكون ناقصاً, وأن يكون محتاجاً، وأن يكون هناك من هو أكمل منه، وهذا ينتهي إلى ماذا؟ إلى كفر بالله سبحانه وتعالى، فلا يمكن أن تدركه الأبصار إطلاقاً.
ويقول سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} (سـبأ:1-2)
إلى قوله تعالى: {عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}(سـبأ: من الآية3) الحمد لله معناه: الثناء على الله، الذي يستحق الثناء كل الثناء هو الله سبحانه وتعالى، هو من لـه ما في السموات وما في الأرض، وتأتي العبارة أحياناً بلفظ: {مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (البقرة: من الآية107) وأحياناً: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} وكلها تفيد أنه هو مالك ما في السماوات وما في الأرض، وله الملك في السماوات وفي الأرض.
وله الحمد في الآخرة كما له الحمد هنا في الدنيا, وهو الحكيم الخبير. {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} كل شيء يَلِجُ في الأرض أي يدخل فيها، أنت عندما تغرس شجرة ألست تدخل جذورها في الأرض؟ عندما تبذر البذور ألست تدخل البذور في الأرض؟ كل شيء يدخل في هذه الأرض, وكل شيء يخرج منها الله سبحانه وتعالى يعلمه, لا يعزب عنه أبداً مثقال ذرة, بمعنى: لا يغيب عنه.
يعلم أيضاً بما ين‍زل من السماء, وما يعرج فيها.. يدل هذا على أنه من يملك السماوات والأرض, وهو ملك السموات والأرض, لكنه مُلك متميز بخلاف من يملكون في هذه الدنيا، هل الرئيس يعلم بما يلج في اليمن وما يخرج منه, لا يعزب عنه مثقال ذرة؟.الله سبحانه وتعالى، وهذا من الشيء الذي يبهر الإنسان أمام عظمة الله سبحانه وتعالى, قدرته, علمه الواسع، تجد كم في هذه الدنيا من آلاف المخلوقات، والصنف الواحد كم آلاف من أفراده.
عندما تطلِّع على بلد وقت الزراعة, وقت زراعة [ذُرَة] أو زراعة [بُر] أو أي شيء من أنواع الحبوب كم يمكن أن يكون في هذه المنطقة من حبوب، كم في [الجِربة] الواحدة من زرع، كم في الثمرة الواحدة من حب، [المطوي الواحد] وفي رأس كل حبة يكون فيها هناك زهرة صغيرة يسمونها حبوب لقاح أو نحوه، كل هذه معلومة لله سبحانه وتعالى، مليارات من حبات القمح في هذه الدنيا معلومة لله سبحانه وتعالى هو الذي فلقها وبرأها، هو الذي أنبتها، هو الذي خلق الثمرة التي فيها، هو يعلم كل حبة فيها.
لو تأتي إلى صنف واحد من مخلوقاته لبهرك سعة علمه سبحانه وتعالى به، كم في استراليا من مليارات حبات القمح وقت الزراعة؟ كم! من الذي يستطيع أن يحصيها؟ ثم تجد هذا صنف واحد من مخلوقاته، هناك البشر، هناك الحيوانات بأصنافها، هناك الأشجار الأخرى بأصنافها، هناك الدواب الصغيرة والحشرات بأصنافها.
المخلوقات في البحار أيضاً التي هي أكثر مما في البر، أصناف الحيوانات بأعدادها الهائلة في البحر هو أيضاً من يعلمها, ومن يرعاها. لا يشغله وهو يرعى حبة قمح يفلقها في اليمن عن أن يرعى ملايين الأسماك في البحار عن أن يعزب عنه ذرة من سمكة واحدة .. قدرة عجيبة, علم واسع.
يدعوه الناس بمختلف لهجاتهم, وبمختلف حاجاتهم, وعلى اختلاف ألوانهم وبقاعهم فيعلمهم جميعاً, ويجيب من يجيب, ويترك من لا يستحق أن يجيبه، كلهم يتحركون في هذه الدنيا فيحصي على كل واحد منهم أنفاسه, يعلم بذات صدره، هو عليم بذات الصدور.
أنت لو تأتي تفكر, وتتأمل في سعة علم الله من خلال التعدد الهائل لأصناف مخلوقاته تجد ما يبهرك، تجد ما يملأ قلبك شعوراً بعظمة الله سبحانه وتعالى, وهو هكذا وليس فقط مرة واحدة أو سنة واحدة ثم ترى بأن هذا عمل مضنٍ ومجهد قد تتركه وتتخلى عنه، كم أجلس أراقب مليارات الأسماك في البحار، ومليارات من حبات القمح، ومليارات الأزهار، ومليارات البشر, ومليارات الدواب, تعب, تعب، لا يمكن هذا على الله هو حي قيّوم، هو كما قال عن نفسه سبحانه وتعالى في آية الكرسي: {وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}(البقرة: من الآية255) لا يتعبه هذا، لا يشغله، لا يرهقه، لا ينسيه شيء عن شيء، لا يشغله شيء عن شيء آخر, عن الشيء الواحد أو إثنين أو ثلاثة أو صنف أعداده محدودة.
سبحان الله.. إذا تأمل الإنسان في مظاهر قدرته, ومظاهر علمه, وسعة علمه كيف سيجد نفسه مبهوراً. تراه يرعى الأشياء الكبيرة الكبيرة، وقد تنتهي الأحجام بالنسبة للحيوانات إلى الفيل، ثم تتجه أيضاً لتبحث عن الحشرات الصغيرة فترى حشرات صغيرة جداً, جداً بعضها قد تكون النقطة التي تحت حرف [الباء] أكبر منها وتراها فوق صفحة من صفحات كتابك تتحرك، وكم تجلس حتى تقطع السطر من طرفه إلى طرفه الآخر مسافة، وأنت تراها بجسمها الكامل والمتكامل، ولها إدراكاتها, ولها إحساسها, ولها حياتها الخاصة، ولها الأنواع التي تعيش عليها، ولها مشاعرها وهي تبيض وهي تربي صغارها.
ثم تتجه إلى هناك بعدما أُكتشِف في هذا العصر الآليات للبحث عن الأشياء الصغيرة إلى أن تنتهي بالفيروسات والجراثيم, مخلوقات صغيرة جداً جداً، ينتهي إدراكك عند الإحساس بصغرها، ينتهي إدراكك ينتهي أن تتصور صغر صغر صغر لما ما عاد هناك شيء ينتهي ما عاد تستطيع أنك تواصل بمسيرة ذهنك وأنت تتابع تصور الصغر الصغر إلى ما لا نهاية.
ثم يأتي الإنسان كما قال الله عنه: إنه {لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}، {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ}(النحل4) يلفت نظرك إلى أن أصلك من نطفة، ويكشف هذا العلم الحديث بأنك كنت حيوان صغير جداً يسمونه [الحيوان المَنَوِي] ربما آلاف من هذا الحيوان قد تجتمع على رأس دَبُّوس صغير، دبوس صغير على رأسه قد تجتمع آلاف من هذه الحيوانات التي كنت واحداً منها، ثم تمشي وأنت تبحث عن [البُوَيْضَة] وتتجه إليها فتشتبك معها، ثم تتخصب، ثم تطلع جنيناً ضعيفاً فتنفخ فيك الروح، ثم عندما تخرج من بطن أمك وأنت لا تعلم شيئاً يهديك إلى أن ترضع من ثدي أمك, ويصنع لك غذاءك, يجعل غذاءك قريباً من فمك، وفي مكان تحظى فيه بالحنان والدفء والعطف والرحمة والغذاء، وبعد أن يشتد عودك تتحول إلى خصيم لله، وبعد أن يرعاك هذه الرعاية لم تعد تركن عليه وتثق به فقد أصبحت رجلاً مفكراً .. أليس هذا الذي يحصل عند الناس؟. لم نعد نركن عليه فيما بعد، ولم نعد نثق بكلامه، ننسى مسيرة حياتنا من يوم تخرج من صلب أبيك, وتتقلّب في رحم أمك حتى تخرج من بطنها ثم تشب.
خلي عنك الأشياء الأخرى في هذا العالم التي يتبين لك من خلالها سعة قدرة الله وعظمته وعلمه فتصبح خصيماً مبيناً معانداً متمرداً مجازفاً، ثم تصبح أنت ترى أن ذكاءك هو ذلك الذي يجعلك لا تثق بالله، وتقرأ القرآن ولا تثق بوعوده، وكأنه لا يستطيع أن يقدم أو يؤخر, ولا يستطيع أن يعمل شيئاً .. جحود بالله سبحانه وتعالى.
{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التغابن:1) {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الحشر:1) {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (يّـس:83)
ترى كم تكرر التسبيح في القرآن الكريم بما يعنيه التسبيح من تنزيه لله سبحانه وتعالى وتقديس وإجلال وتعظيم له، بما يعنيه أساساً من تن‍زيه لله عما لا يليق أن ينسب إليه لا باعتبار ذاته, ولا أفعاله, ولا في تشريعه. ولأن تن‍زيهه سبحانه وتعالى قضية مهمة بالغة الأهمية يجب أن يكون الإنسان مستشعراً لها دائماً، وقاعدة ينطلق منها في معرفته لله سبحانه وتعالى.
يستنفر الله سبحانه وتعالى كل ما في سماواته, وكل ما في أرضه ليقول لك بأن كل ما فيهما يسبحون له, {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} (الجمعة:1)كل ما فيها يشهد بن‍زاهته ما بين من ينطق بذلك بلسان المقال, وما بين من ينطق بلسان الحال فيشهد على نزاهة الله سبحانه وتعالى.
تن‍زيهه عن ماذا؟ للتسبيح معناً مهماً جداً، تن‍زيهه عن ما لا يليق به في ذاته أن تنسب إليه نقصاً، أن تنسب إليه من العيوب ما لا يليق بأن تنسبها إليه كما نسب إليه الآخرون من أنه ذو أعضاء، من أنه يقدر المعاصي، ويخلق المعاصي والفواحش, ويريدها ويقضي بها. تنزيه له أيضاً في أفعاله هو من لا يظلم, من لا يفعل الفساد، من لا يفعل ما يتنافى مع الحكمة، هو من خلق كل شيء فقدره تقديراً، تن‍زيه له سبحانه وتعالى أيضاً في تشريعه, وفي هدايته.
أنزهه عن أن يشرع لي طاعة من يعصيه، أن يوجب علي أن أطيع الظالمين والجبارين والطواغيت والمتكبرين وهو من يلعنهم في كتابه, وهو من يستنصرني لأقف في وجوههم فكيف يأمرني بطاعتهم؟ وهل يشرف الله سبحانه وتعالى, أو يليق به أن يكون هؤلاء من يوجب علينا أن نطيعهم وهم مفسدون ومجرمون وطواغيت وكافرون!. ألست أنت من تحاول أن تطرد ابنك من بيتك إذا ما وجدته ابناً فاسداً؟. والآخرون يقولون لك اطرده من بيتك؟. وأنت تقول لابنك: أنت شوهت سمعتي, أنت لا تشرفني أن يقال أنت إبني.
الله سبحانه وتعالى كيف يمكن أن يوجب علينا أن نطيع أعداءه!. هذه واحدة من العقائد الباطلة التي نسبوها إلى دين الله, ودين الله هو تشريعه وهديه.
ولو تأتي, لو تأتي تتبع ما حصل من هذا القبيل مما نسب إلى الله سبحانه وتعالى لوجدت بأنهم نسبوا إليه ما لا يليق به، وأمام هؤلاء استنفر الله كل مخلوقاته لتسبحه؛ لعظم قبح ما نسبوا إليه في تشريعه، أو في هديه, أو في أفعاله، أو في ذاته سبحانه وتعالى.
والتسبيح هو الذي أخذ المساحة الواسعة في التعبُّد داخل الملائكة, وداخل المخلوقات كلها، الله قال عن ملائكته {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} (الأنبياء:20) وقال لنا, يخبرنا عن أنهم يسبحونه, ثم قال لك: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ}(الإسراء: من الآية44).. لتفهم ماذا؟. أنها قضية كبيرة، جريمة كبيرة، قبح عظيم أن تنسب إليه ما لا يليق به، ما يتنافى مع جلاله، مع قدسيته، مع كبريائه، مع عظمته, الأمر الذي لا يهز في الكثير منا شعرة واحدة، ولا ينطلق يتفاعل إذا ما سمع بأن هناك من ينشر عقائد باطلة.
يقولون: أن الله كذا وكذا، ويقولون أن رسول الله يشفع لأهل الكبائر، ويقولون بأنه يجب طاعة الظالمين، ويقولون كذا.. فيقول: والله مجرمين. وانتهى الأمر، لا يغضب، لا يعرف أن هذه قضية غير عادية، أنها إساءة بالغة إلى الله سبحانه وتعالى. ولتفهم أن القضية مهمة جداً تدفعك إلى أن تغضب لله، وإلى أن تبذل نفسك وتبذل مالك لتنصر الله سبحانه وتعالى فتقول لأولئك: لا. تنطلق في الحديث مع الناس عن تن‍زيه الله، وأن ما يقال بأنه كذا وكذا، وأنه شرع كذا وكذا, هذا باطل لا يجوز أن ينسب إلى الله. تنطلق في نصر الله كما قال لك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ}(الصف: من الآية14).
إرجع إلى القرآن الكريم عندما يقول لك بأن كل من في السموات والأرض يسبحون له، والملائكة عملهم الدائم التسبيح له {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ}هل لأن الله سبحانه وتعالى يعجبه أن يسمع ترديد التسبيح ليستمتع به؟ هو سبحانه وتعالى من هو من‍زه عن هذا، وإنما ليقول لنا: أن قضية أن نحافظ في أنفسنا على الإيمان بكماله المطلق الذي يدفعنا إلى أن ننزهه عن كل ما لا يليق به، وأن نسبة شيء إليه لا تليق به هي قضية كبيرة جداً.. وعلى من؟. هل سيصل ضرها إلى الله أو علينا نحن؟. علينا نحن.
لاحظوا عقائد من هذه أين جاء ضرها؟ هي قبح أن تنسب إلى الله سبحانه وتعالى, لكن أين حصل الضر؟. على الأمة, على البشرية نفسها؛ لأنه متى ما جوزنا على الله سبحانه وتعالى أن يكون في تشريعه طاعة للمجرمين استسغنا نحن البشر أن يحكمنا الطواغيت، وإذا حكمنا الطواغيت ما الذي يحصل في حياتنا؟ تضيع كرامتنا, تضيع عزتنا، نستذل، تصبح حياتنا ومعيشتنا ضنكة، نُضَام، نُقهر، يسود فينا الفساد، تغيب عنا وعن أوساطنا القِيَم المثلى والفضائل. وما السبب؟. قالوا لنا بأنه يجوز, وأن الله شرع هذا.
انظر كيف وصلت بالأمة هذه العقيدة وحدها, عندما قلنا في المحاضرة في القاعة يوم الخميس: أن أولئك الذين انطلقوا فوق منابر المسلمين ليدجّنوا الأمة للظالمين.. ألم يعلموا ما جنت أيديهم! كيف أصبح هؤلاء يدجّنون الأمة لليهود، وكيف أصبحنا في واقعنا الاقتصادي لا نستطيع أن نعيش شهراً واحداً - كما عاش أسلافنا قبل ألف سنة - معتمدين على أنفسنا!.
أتحدى أن يستطيع اليمنيون أن يعيشوا شهراً واحداً معتمدين على أنفسهم وقوتهم من داخل بلدهم كما كان أسلافنا قبل ألف سنة، أولئك الذين نقول عنهم أنهم متخلفون, ومن أصحاب العصور المظلمة.. ما الذي جعل البشر يصلون إلى هذا المستوى؟ هي هذه العقائد الباطلة. من أين استسغناها؟. من يوم ما آمنا وجوزنا بأنه يصح أن تنسب إلى الله فتكون جزءاً من دينه, وتكون مما شرعه لعباده، ونسينا ما كان بالإمكان أن يعمله التسبيح في نفوسنا لو رجعنا إليه.. عندما نجد الله يستنفر كل من في السموات ومن في الأرض ليسبحوه، وعندما يقول عن ملائكته أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
لكن هكذا عندما يصبح القرآن على ألسنتنا مجرد لَقْلَقَة باللسان، ويهمنا تجويد حروفه نحافظ على [الغُنَّة] وعلى [المد] و على[القلقلة] ونحوها.. وننصرف عن ما تريد منا هذه الآيات: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} حتى تتساءل لماذا التسبيح هو الذي أخذ المساحة الواسعة في التعبد؟ في صلاتنا تسبيح, في الركوع في السجود في القيام.. أليس كذلك؟ والتسبيح يُشَرع كذكر من أذكار الله المهمة: ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)).
عندما نسينا, أو جهلنا, أو ابتعدنا عن هذه الآيات فلم ندعها تترك في نفوسنا الأثر المهم لها، هو أن نلمس أن القضية مهمة جداً وخطيرة جداً أن ننسب إلى الله ما لا يليق به في تشريعه، عندما نسينا هذا استسغنا عندما قالوا: هذا من دين الله، ورواه فلان عن فلان قال حدثني فلان أخبرني فلان قال قال رسول الله كذا كذا .. إلى آخره.. صدق رسول الله. واعتقدناها ومشينا عليها. يُكذب على النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) ويُفترى على الله سبحانه وتعالى.
فينبغي علينا أن نعود إلى هذه الآيات العظيمة نستلهم منها ما يحول بيننا وبين الوقوع في هذا الضلال الشديد {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} (الروم: 17-19)
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن تملأ قلوبهم مشاعر عظمته، ممن ينطلقون في تن‍زيهه وتسبيحه وتقديسه بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم إنه على كل شيء قدير.
والسلام عليكم ورحمة وبركاته،،،
[ الله أكبر/ الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود / النصر للإسلام]

(14)
معرفة الله ـ عظمة الله ـ الدرس (8)